العلامة المجلسي

188

بحار الأنوار

فإن لم تكن العبادة بهذه النية صحيح لم يصح له أن يفعل ذلك ، ويلقن به غيره ، ويظهره في كلامه . إن قيل : إن جنة الأولياء لقاء الله وقربه ، ونارهم فراقه وبعده ، فيجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام أراد ذلك ، قلنا إرادة ذلك ترجع إلى طلب القرب المعنوي والدنو الروحاني ، ومثل هذه النية مختص بأولياء الله كما اعترف به فغيرهم لماذا يعبدون وليس في الآخرة إلا الله ، والجنة والنار ، فمن لم يكن من أهل الله وأوليائه لا يمكن له أن يطلب إلا الجنة أو يهرب إلا من النار المعهودتين ، إذ لا يعرف غير ذلك وكل يعمل على شاكلته ، ولما يحبه ويهواه غير هذا لا يكون أبدا . ولعل هذا القائل لم يعرف معنى النية وحقيقتها ، وأن النية ليست مجرد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس أصلي أو أصوم أو أدرس قربة إلى الله تعالى ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك ، ومتصورا لها بقلبك ، هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس ، وإنما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها ، إما عاجلا وإما آجلا . وهذا الانبعات والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الألفاظ ، وتصور تلك المعاني ، وما ذلك إلا كقول الشبعان أشتهي الطعام وأميل إليه ، قاصدا حصول الميل والاشتهاء ، وكقول الفارغ أعشق فلانا وأحبه وأنقاد إليه وأطيعه ، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشئ وميله إليه وإقباله عليه ، إلا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب الأمور المنافية لذلك المضادة له ، فان النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده ، وتميل إليه تحصيلا للغرض الملايم لها ، بحسب ما يغلب عليها من الصفات . فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة ، وإظهار الفضيلة ، وإقبال الطلبة إليه ، فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى الله سبحانه بنشر العلم